News & Updates

السبت، 1 ديسمبر 2012

أبناء المقاومة يعانون التهميش والإهمال والعزلة في غياب تدخل عاجل من طرف الدولة


ايت عبدي : أبناء المقاومة يعانون التهميش والإهمال والعزلة في غياب تدخل عاجل من طرف الدولة

- سعيد معناش : كيف يعقل أن أبناء المقاومة وهم أكثر من 72 أسرة بايت عبدي لم يستفيدوا من أية مساعدة وفي المقابل استفاد عملاء الاستعمار الفرنسي قصد التوغل بجبال الأطلس من رخص النقل وامتيازات أخرى وتعلموا القراءة والكتابة ، بينما ظل أبناء المقاومة يعانون من التهميش والعزلة فماذا استفدنا من الاستقلال \"
تتشكل الجبال المنسية لقبائل زاوية احنصال وايت عبدي من مشيختين ، الأولى تدعى مشيخة ايت عطا تابعة لقبائل ايت عبدي ومشيخة احنصالن التابعة لقيادة زاوية احنصال ، تحدها شرقا دائرة واويزغت وخصوصا جماعة تيلوكيت وغربا جماعة ايت بوكماز وشمالا إقليم الراشيدية وجنوبا جماعة ايت أمحمد ، وتتألف من العديد من الدواوير الموزعة بين الجبال والهضاب (دوار زركان ، دوار أمسطر ، تفروت ، أمضير ، تنتامين ....) مناطق نائية قريبة من عمالة الراشدية ، تتميز بانعدام الأسس البنيوية من طرق ومدارس ومستوصفات ولا وجود للكهرباء والماء ، وبأوضاع قاسية لعل أبرزها قساوة الظروف المناخية حيث يضطر السكان قصد جلب الماء إلى بيوتهم قطع مسافة تستغرق نصف يوم أو أكثر على الدواب (الحمير والبغال ) بحتا عن العيون والمنابع المائية الصالحة للشرب ، عملية تتكرر يوميا دون حلول ، علاوة على صعوبة التنقل بين سفوح الجبال لانعدام الطرق الغير معبدة أو غيرها ، إذ يستخدم السكان فقط الممرات التي رسمتها الدواب لاغير.
 وفي نفس الإطار تتميز المناطق السالفة الذكر بارتفاع نسبة الأمية وانتشارها بين مختلف الأعمار ( مايزيد عن 95 بالمائة ) ، وقد ساهم في هذه الأوضاع غياب المدارس والأطر التعليمية منذ أمد طويل ، حيث أن الفرعيات الأربعة للمدارس تبعد من جهة عن الساكنة بحوالي عشر كيلومترات بأماكن خالية تفتقر لشروط التحصيل كالتجهيزات وخشب التدفئة .. ولا وجود للمعلمين الذين يأتون من المناطق الحضرية ويفرون بعد حلولهم مباشرة بهذه المناطق النائية لصعوبة المسالك الجغرافية من جهة وقساوة الظروف المناخية من جهة ثانية وعلاقة بغياب الأسس البنيوية تفتقر مناطق زاوية احنصال وايت عبدي للمستوصفات الصحية ، حيث لا تشهد هذه المناطق تشييدات سوى المستوصف اليتم المتواجد قرب دوار زركان المتوقع على الحدود مع إقليم الراشدية وقريب من املشيل ويبعد حوالي سبع كيلومترات من الدوار السالف الذكر ، كما أن الدواوير الأقرب منه يستلزم من سكانها على الأقل قطع مسافة تستغرق ست ساعات ، مستوصف ظل مع ذالك تحث وقف التنفيذ ، لكونه مغلق منذ سنوات وبدون تجهيزات وعنصر بشري ، وضعية أجبرت السكان على نقل المرضى على الدواب مسافة نصف يوم أو أكثر للوصول صوب بعض الطرق المعبدة في انتظار مرور سيارة ، وقد سجلت عدة وفيات بأبناء المنطقة أثناء نقل المرضى على الدواب ، قس على ذالك الحادثتين اللتين أودت بحياة سبعة أفراد بسبب انهيار الثلوج ( جبل تيزي نولمو ) ووفاة بعض رؤوس الأغنام وكذا وفاة أسرة مشكلة من الأبوين وأربعة أبناء على اثر انهيار منزله فوق رؤوسهم لقدم التشييد المعتمد على الحجر والتراب والخشب ، وظلوا تحت الأنقاض لمدة ثلاثة أيام إلى حين انتشالهم ، توفي أيضا 6 أشخاص من أسرة واحدة منهم أطفال صغار ، اثر انهيار منزل سكناهم المبني بالطين والحشائش بسبب كثرة التساقطات المطرية والثلجية التي عرفتها المنطقة هذه السنة ، حوادث لا يجد السكان من ينقذهم ومن يقدم لهم أدنى الخدمات الصحية . لانعدام الطرق سواء المعبدة أو غير معبدة ينظم السكان قوافل متعددة قصد جلب المؤن ( سكر ، زيت ، دقيق ، خضر ....) من الأسواق البعيدة عن منازلهم رحلة متعبة تستغرق ليال وتحمل المبيت بالخلاء ، ولا يقتاتون بالرحالة سوى بعض علب السردين والخبز والشاي ، يرتدون الجلالب وأحذية بلاستيكية ( نوع الباهية ) متحملين شدة البرودة ، وعلى سبيل المثال لا الحصر تستغرق الرحلة من زاوية احنصال صوب ايت عبدي حوالي يوم ونصف ، كما ان سكان القبائل الأخيرة يشترون حاجياتهم الأساسية التي تكفي لقضاء فترة التساقطات الثلجية كفترة سبات لمحاصرتهم بالثلوج الكثيفة وتنقطع إخبارهم ويصبح الوصول إلى مساكنهم أمرا مستحيل.

 يعتمد النشاط الاقتصادي للقبائل السالفة الذكر على الفلاحة وخصوصا تربية الماعز ، نتيجة عدم صلاح الأراضي المنحدر ة والمغطاة بالأشجار والثلوج للزراعات المختلفة ، أوضاع تجعل السكان يبيعون عند انعقاد الأسواق بهيمة أو أكثر لشراء المتطلبات الأساسية ، وعلاوة على ذالك منعت المندوبية السامية للمياه والغابات من قطع الأشجار أو ما يسمى وفق مسطرة الإدارة بالتحديد ، مكتفية ببيع الخشب للخواص الأجانب عن المنطقة وكذا استنزافه من قبل شبكات منظمة ، مما يفوت على سكان المنطقة استغلاله سواءا ببيعه أو باستغلاله بأسفي فترات البرودة التي تتجاوز 15 درجة مئوية تحت الصفر ودون استفادتهم من الخشب المدعم من قبل الدولة ، قس على ذالك عدم استفادتهم من الدقيق المدعم منذ سنوات عديدة خلت خصوصا وان هذه المناطق مصنفة في أدنى سلاليم الفقر حسب المبادرة الوطنية للتنمية البشرية .
ظروف قاهرة أنست الساكنة أهمية الدولة لعل ما استنتجتاه أثناء أخدنا لتصاريح السكان الإحباط المتجلي في صفوفهم ، لم يعودوا يعتبرون انفسهم مغاربة ماداموا لم يستفيدوا من أدنى مصلحة أو توفير الجهات المسؤولة للقليل من الشروط التي تحفظ كرامتهم ، سكان امتنعوا من مدة ليست بالقصيرة عن المشاركة في المحطات الانتخابية رغم الضغوطات من طرف السلطات المحلية ، ولم يعودوا يؤمنون بالحق والواجب ما داموا يؤدون الوجبات ودون اخذ الحقوق وفيما يلي تصاريح لبعض السكان على سبيل المثال لا الحصر،:
 - يقول سعيد احساين الصغير ، قد فقدنا مواطنتنا وكرامتنا منذ سنوات طويلة لإهمال المسؤولين وعدم تشييد أية مصلحة أو تقديم أدنى خدمة .
 - يحيى حدو : لقد ترك العديد من أهالينا بلادهم في اتجاه قلعة مكونة وتيلوكيت وواويزغت بسبب العزلة وعدم اهتمام الدولة بنا ، وقاموا ببيع كل ما يملكونه بثمن بخس قصد شراء الدواب لنقل أمتعتهم .
 - سعيد معناش : كيف يعقل أن أبناء المقاومة وهم أكثر من 72 أسرة بايت عبدي لم يستفيدوا من أية مساعدة وفي المقابل استفاد عملاء الاستعمار الفرنسي قصد التوغل بجبال الأطلس من رخص النقل وامتيازات أخرى وتعلموا القراءة والكتابة ، بينما ظل أبناء المقاومة يعانون من التهميش والعزلة فماذا استفدنا من الاستقلال ، هذا ويضيف أن المغفور له محمد الخامس استقبل والد الساخي سعيد والساخي موح وموح نأيت القياس واحماد نوعبي ، لبلائهم البلاء الحسن برفضهم القاطع نفي الملك وتعيين الخونة على العرش ، كما اعتقل الاستعمار منهم العديد من المقاومين ونالوا اشد أنواع التعذيب مختتما بسؤاله فهل نحن مغاربة وأين المساواة كشرط أساسي للمواطنة ؟ .

إن زاوية احنصال بدورها كأهم مركز تتجمع فيه هذه القبائل تعيش لحد ألان محرومة من الربط بشبكة الماء والكهرباء وللوصول إلى ازيلال يجب سلك طريق منحرف اختفت معالمه تحت الثلوج وتأكله بفعل السيول الجارفة والسفر إليه يظل بالمناسبات أو مرتين في الأسبوع عند تحسن الظروف المناخية ولا تتوفر إلا على سيارتين ذات الدفع الرباعي تقل في غالب الأحيان ضعف الحمولة المسموح بها في مخاطرة مستمرة بأرواح المواطنين الذين لا خيار لهم غير ذالك .
ازيلال : هشام احرار

دواوير معزولة بأزيلال تطالب بشق الطرق وبمروحيات لإسعاف الحالات الخطيرة


دواوير معزولة بأزيلال تطالب بشق الطرق وبمروحيات لإسعاف الحالات الخطيرة


تافراوت» و«إميضر» و«زركان» و«تناتامين».. أربعة دواوير «انقطعت» عن العالم منذ الأيام الأولى من شهر نونبر الأخير. اعتاد السكان هذه العزلة، التي تُدخِلهم سنويا في ما يشبه «السّبات الشتوي»، بل ويستعدون لها مع إطلالة فصل الخريف. الأطفال لم يلجوا المدارس منذ سبع سنوات.. والنساء الحوامل مُهدَّدات بالموت أثناء الوضع إذا استعسرت ولادتهن. ومع ذلك، ما يزال شق طريق يتصدر مَطالب هذه الدواوير، متبوعا بوضع طائرة مروحية رهن إشارتهم لإسعاف الحالات المرضية الأكثر خطورة.



ما تزال مناطق عديدة في إقليم أزيلال منكوبة ومنقطعة عن العالم منذ أوائل الشهر المنصرم. القرى التابعة لزاوية أحنصال هي الأكثر تضررا من الثلوج والأمطار. استفادت مناطق جبلية أخرى، ضمنها «أيت عباس»، على سبيل المثال، من بنية تحتية طرقية فكّت عنها العزلة وقلّصت تأثير التساقطات الثلجية والمطرية على حياة سكانها.



يبعد المركز القروي «زاوية أحنصال» عن مدينة أزيلال بنحو 76 كيلومترا. الطريق الرابطة بينهما ضيّقة للغاية وتتأثر بشكل كبير بأقل معدلات التساقطات المطرية. ولهذه الأسباب، يتناقص بشكل جليّ عدد عربات النقل المزدوج التي تؤمّن النقل إلى «زاوية أحنصال» انطلاقا من أزيلال في فصلي الخريف والشتاء. لا تُسلَك هذه الطريق في مثل هذه الأجواء إلا لظرف طارئ.



يزداد السائقون حذرا حين تحمل نشرات أحوال الطقس أنباء عن إمكانية هطول الأمطار بغزارة أو تساقط الثلوج بكثافة. حينها، يحجم جميع السائقين عن سلك هذه الطريق، حتى لا تحاصرهم الثلوج وتتقطّع بهم السبل في منطقة لا توجد فيها تغطية من شبكات الهاتف المحمول.



تزامن وصول «المساء» إلى أزيلال في الظهيرة مع بلوغ مستويات الحذر من سلك هذه الطريق ذروته. أكد عدد من الفاعلين الجمعويين المحليين في أزيلال، سبق لكثير منهم أن زاروا المناطق المنكوبة في أيام اعتدال أحوال الطقس، استحالة الوصول إلى أقرب دوار محاصَر في «زاوية أحنصال».



فبعد قطع مسافة 76 كيلومترا، الفاصلة بين أزيلال والمركز القروي «زاوية أحنصال»، سيكون لزاما انتظار اعتدال أحوال الطقس وأيام عديدة من الشمس قبل أن تذوب الثلوج تدريجيا وتنفكّ العزلة عن أقرب دوار إلى «زاوية أحنصال» ويصبح ممكنا التوجه إليه على متن الدوابّ، في رحلة قد تستغرق عدة ساعات، في ظل سوء أحوال الطقس وتَضرُّر المسالك الجبلية من الأمطار والثلوج.



قد يستمر السير على الأقدام في أوقات الشدة لأزيدَ من 12 ساعة من أجل جلب المواد الأساسية، كالسكر والزيت من المركزين القرويين «زاوية أحنصال» و«أيت محمد». نصف يوم من المشي في طريق شديدة الضيق غاية في الخطورة في فصلي الخريف والشتاء.. عبارة عن ممرّ في جبل «تيزي نملغاس» يبقى الشريان الوحيد لدواوير «زاوية أحنصال»، الأربعة. في نهاية الأسبوع الماضي، كان المرور عبْر هذه الطريق مستحيلا، «ضربا من الجنون»، على حد قول سائق عربة نقل مزدوج اعتاد تأمين النقل بين أزيلال و«زاوية أحنصال» حينما يكون المناخ معتدلا.





تأكدت استحالة التنقل إلى زاوية أحنصال: السائقون المعتادون على تأمين التنقل إلى هذا المركز القروي لا يُبْدون حماسا للتوجُّه إلى هناك في ظل استمرار هطول الأمطار وتوقعات باستمرار تساقط الثلوج.



في تلك الأثناء، راج في مدينة أزيلال أن السلطات المحلية عمدت إلى استعمال الطائرات من أجل مد سكان القرى «المحاصَرة» بمواد أساسية للصمود أمام البرد القارس لمواجهة الجوع. أنباء تأكدت معها استحالة الوصول إلى قرى «السبات الشتوي» في إقليم أزيلال. «كيف يمكن إقناع سائق سيارة بالتوجه إلى منطقة تتهدّدها الثلوج والأمطار؟» يتساءل فاعل جمعوي محلي في مدينة أزيلال.



أصبح أشخاص من القرى المحاصَرة في قمم الجبال المجاورة شبه «لاجئين» في مدينة أزيلال، إذ لن يستطيعوا التوجه إلى ديارهم قبل ذوبان جزء كبير من الثلوج وعودة الروح إلى الطريق الرابطة بين أزيلال و«زاوية أحنصال».



غير أن هذه المحاولات ستبوء، بدورها، بالفشل. بعد ذلك، تم العمل على ربط الاتصال هاتفيا بفاعلين مدنيين ينشطون في الجماعة القروية «زاوية أحنصال» في إطار جمعية تحمل اسم «خديجة». غير أن هواتف جميع الناشطين الذين تمت محاولة ربط الاتصال بهم على أمل التمكُّن من بلوغ القرى المحاصَرة كانت جميعها، بدون استثناء، خارج التغطية.. «أمر عادي في منطقة تندُر فيها الشبكات الهاتفية»، يقول الفاعل المدني في أزيلال، هشام أحرار، وهو أحد الذين سبق لهم أن زاروا عددا من تلك الدواوير أكثر من مرة في الفترات التي ينحبس فيها المطر ويتوقف تساقط الثلوج. وبذلك، ساد يقين باستحالة الوصول إلى تلك الدواوير، لأنها، بكل بساطة، «محاصرة»، ولا يمكن دخولها أو مغادرتها...



ومع ذلك، يُجْمع الفاعلون المدنيون المحليون في أزيلال، الذين التقت بهم «المساء» في هذه المدينة، على أن عددا من مناطق الإقليم كانت تعرف الوضعية ذاتها، وإنْ بشكل أقلَّ خطورة، وباتت اليوم تتوفر على بنية تحتية تجعلها في منأى عن العزلة القاتلة التي تدخل فيها الدواوير التابعة للجماعة القروية «زاوية أحنصال».



وأكد المتحدثون أنفسُهم أن ظروف عيش بعض قرى هذه الجماعة، خصوصا القريبة من مركز الزاوية، عرفت تحسُّناً ملحوظا في السنوات الأخيرة. لكن جميع القرى تتساوى في محنة «العزلة» عن العالم الخارجي، التي تفرضها عليهم الثلوج وغياب بنية تحتية طرقية يمكنها أن تصمد في وجه الأمطار والثلوج وتسخّر لها إمكانيات لإعادة فتحها في وجه حركة المرور في أقرب الآجال الممكنة بعيد تساقط الثلوج.



نقص حاد في المؤونة



«يستعد» سكان الدواوير المهددة ب«الحصار» من الثلوج والأمطار في أعالي جبال إقليم أزيلال لموسم العزلة هذا دائما. تعمل كل أسرة على جمع كميات وافرة من المواد الأساسية، خصوصا الغذائية، حسب الإمكانيات المتاحة لها، غير أن أي تمديد لأيام العزلة يُشكّل تهديدا لحياة هؤلاء السكان. إذا طالت مدة العزلة، ينفد مخزون الأسر من المواد الغذائية لتنضاف، بذلك، معاناة الجوع إلى محنة الحصار والانقطاع عن العالم. قبل وصول «المساء» إلى أزيلال بنحو أربعة أيام، قامت السلطات المحلية بإقامة جسر إنساني لتزويد أزيدَ من 2500 أسرة المحاصَرة في قمم الجبال الأطلسية بالمواد الأساسية. كانت تلك أولى عمليات «الإغاثة» والمد بالمواد الأساسية في السنة الجارية. وقد تمت الاستعانة في هذه العملية بطائرات مروحية تولّت إلقاء كميات كبيرة من المواد الأساسية في الدواوير المحاصَرة. وعادة ما يتولى أعيان كل دوار توزيع هذه الإعانات على الأسر المُستهدَفة.



ثمة عامل آخر يزيد حياة السكان في هذه المناطق صعوبة: الأسر هناك لا تقطن في منازل مُشيَّدة وإنما تتخذ من الكهوف منازلا. أسر كثيرة تعتبر العيش في الكهوف أكثر أمنا من الحياة في منازل قد لا تصمد أمام كثافة التساقطات الثلجية خريفا وشتاء والأمطار الرعدية الطوفانية في مستهل فص الصيف. كما أن هذه الكهوف توفر لهؤلاء السكان حماية أكثر فعالية من البرد القارس بالمقارنة مع البيوت المشيدة من طين وحجر.



حرمان من المدرسة



الأطفال الصغار والنساء الحوامل هما الفئتان الأكثر تضررا من هذه العزلة القاتلة في قمم جبال الأطلس الكبير. أطفال دوار «تافراوت»، أحد أكثر الدواوير عزلة في المنطقة، لم يلجوا المدرسة منذ خمس سنوات، على الأقل، تماما مثل نظرائهم في الدواوير الثلاثة المجاورة: «إمضر» و«زركان» و«تناتامين»



الموسم الدراسي الحالي هو السابع على التوالي الذي لم تفتح فيه المدارس الفرعية المنتشرة في المنطقة أبوابَها. «من يمكن أن يصبر على العيش في مثل هذه الظروف؟!».. بهذا السؤال «أجاب» فاعل مدني مهتمّ بالشأن التعليمي في إقليم أزيلال عن سؤال آخر بخصوص الأسباب الثاوية وراء عدم فتح هذه المدارس في وجه أطفال المنطقة المتمدرِسين طيلة ست سنوات متتالية، وقد بات في حكم المؤكد أن هذه المدة ستصير سبع سنوات. كانت سنة 2005 آخر عهد لأطفال المنطقة بالأقسام الدراسية. في تلك السنة، أوشكت أقسام الفرعيات المدرسية متوزعة على الدواوير الأربعة أن تهوي فوق رؤوس التلاميذ.. كانت تلك السنة، أيضا، آخر مرة تطأ فيها أقدام إطار تربويّ أرض المنطقة.

بعد مرور أربع سنوات على إغلاق أبواب تلك الفرعيات في وجوه التلاميذ، تلقّت الدواوير الأربعة وعدا بترميم الأقسام الآيلة للانهيار، ثم ما لبث أن ارتفع سقف الوعود وبشّر أطفال هذه الدواوير بقرب بناء مدرسة جماعاتية في إطار مشروع مندمج خاص بتنمية المنطقة. وكان هذا المشروع، الذي رُصِد له غلاف ماليّ يقدر بنحو ملياري سنتيم، يتضمن، أيضا، «تشييد» مستوصف وسوق أسبوعية ومستودع للمواد الأساسية، خاصة الغذائية، مع تقريب المرافق الإدارية من أهالي المنطقة وتبسيط مساطر استخراج الوثائق الإدارية.



الفاعل المدني نفسه، الذي التمس عدم ذكر اسمه، لأسباب مهنية، قال إن هناك ثمة أسبابا أخرى عدا عدم قدرة الأطر البشرية على تحمل قسوة مناخ المنطقة وقبول العيش في عزلة تامة بدون مؤونة كافية طيلة شهور عديدة. وتتمثل هذه الأسباب في سيادة الأمية وغياب الوعي بأهمية تعليم الأطفال، علاوة على حاجة الأسر الماسة إلى أطفالهم للمساعدة في الأنشطة الفلاحية، وفي مقدمتها الرعوية.



وكانت تقارير رسمية قد أثارت الانتباه إلى إقدام عدد من الأطر التربوية التي تم تعيينُها في المنطقة على رفض الالتحاق بالمؤسسات التعليمية في الدواوير الأربعة المذكورة، التي توجد في علو يفوق 2800 متر عن سطح البحر.. وسجلت محاضر مواظبة الأطر التربوية في نيابة أزيلال حالات عددية رفض فيها معلمون الالتحاق بالمدارس التي عُيِّنوا فيها ويبررون رفضهم ببُعد هذه المدارس وغياب أبسط ظروف العيش هناك.



يتطلب الوصول إلى الدواوير الأربعة، حسب إطار تعليمي يشتغل حاليا في مدينة أزيلال سبق له أن تم تعيينه في تلك المدارس في بداية الألفية الثالثة، القيام برحلة شاقة انطلاقا من أزيلال في اتجاه المركز القروي، «زاوية أحنصال». يصل إجماليُّ المسافة الواجب قطعها إلى حوالي 120 كيلومترا، 76 كيلومترا منها فقط يمكن قطعها على متن شاحنة أو عربة للنقل المزدوج، عادة ما تستغرق الرحلة على متن وسيلة النقل إلى هذا المركز القروي ساعتين تقريبا، وقد تزيد أو تنقص حسب حالة الطقس ووضعية الطريق والحالة الميكانيكية لوسيلة النقل المُستعمَلة.



تنتهي مسيرة وسائل النقل الحديثة عند «زاوية أحنصال، قبالة مقر الجماعة القروية التي تحمل الاسم ذاتَه. حينها لا غنى عن سلك مسالك وعرة رسمتها الدواب. يستغرق هذا الجزء من الرحلة أزيد من 8 ساعات، في أحسن الأحوال، وقد تستغرق أطول من هذا الوقت بكثير، إذا كان المسافر وافدا جديدا على المنطقة وغير ذي خبرة بمسالكها، الوعرة.



لا تتوقف معاناة الأطفال عند «استحالة الولوج إلى المدارس» للموسم الدراسي السادس على التوالي، بل تمتد لتشمل انتشار أمراض فتّاكة في صفوفهم، أهمّها الحصبة، المعروفة في الأوساط الشعبية المغربية ب»بوحْمرون». ذلك أن نسبة يسيرة من هؤلاء الأطفال استفادوا، في صغرهم، من التلقيح ضد أمراض الأطفال، التي أُقِرّت برامج تلقيحية ضدها، مثل الحصبة والسعال الديكي.



حالة الطوارئ..



يطال النساءَ، أيضا، قسطٌ وافرٌ من المعاناة. يقُمْن بكل شيء، من أشغال البيت إلى أنشطة الرعي. تزوج معظمهن في سن مبكرة عبر «الزواج بالفاتحة»، الشائع بكثرة في هذه المناطق الجبلية. وتبلغ معاناتهن ذروتها أثناء الحمل، خصوصا إذا جاء المخاض إحداهن في فصلي الخريف والشتاء، اللذين تكون فيهما المنطقة «معزولة» عن العالم الخارجي.



تضع أغلبية النساء الحوامل مواليدهن تحت إشراف نساء حوّلتهن الظروف إلى «قابلات»، ومنهن من صِرْن ذوات خبرة كبيرة في ميدان الإشراف على توليد النساء الحوامل. غير أن هؤلاء النسوة كثيرا ما يرمين المنشفة ويرفعن أيديهن عن حالات نساء عسيرات الولادة. حينها، تتحول الأجواء في هذه القرى النائية إلى ما يشبه «حالة طوارئ».



إذا كان الطقس معتدلا، تُحمَل المرأة الحامل على متن دابة، وغالبا ما توضع في النعش المخصص لنقل أموات القبيلة حتى تقطع المسافة الفاصلة بين الدوار ومركز «زاوية أحنصال» ب«أقل الآلام الممكنة». وأكد الفاعل المدني هشام أحرار معاينته أكثرَ من حالة ولادة عسيرة من هذا النوع، تم خلالها نقل المرأة الحامل إلى المركز القروي حيث ظلت تنتظر ساعات، قبل أن تصل سيارة الإسعاف.

أما إذا صادفت الولادةَ انقطاعُ الاتصال بين هذه القرى والعالم الخارجي، فإن الثقل كله يلقى على كاهل «مقدم» الدوار أو شيخ القبيلة. ففي هذه الحالة، يتوجب على هذا الأخير الصعود إلى أعلى جبل حيث توجد تغطية شبكة الهاتف المحمول ليجري اتصالا بقائد القيادة ويرسل إشعارَ «استنجاد»، طالبا التعجيل بإرسال مروحية لنقل المرأة قبل أن تلفظ أنفاسها الأخيرة، خصوصا أن أي وفيات تؤدي إلى احتقان الأوضاع في هذه الدواوير. يقوم بالعملية ذاتها أعوان السلطة في هذه الدواوير لإشعار السلطة المحلية بنفاد المواد التموينية لدى الأسر. وغالبا ما يكون الرد بإرسال مساعدات طبية تُلقيها طائرات مروحية من أجواء الدواوير التي تفتقر إلى المواد الأساسية، خصوصا الغذائية منها.



غير أن الفاعلين الجمعويين الذين التقت بهم «المساء» أكدوا أن إنجاز هذه الطريق تعترضه عراقيل عديدة، الشيء الذي أخّر تحقق حلم هذه الدواوير في التوفر على طريق توقف معاناتهم في «ما وراء الجبال» وينهي عهد «انقطاعهم» الاضطراري عن العالم الخارجي بمجرد تسجيل أولى التساقطات الثلجية. وفي انتظار الطريق، يُلحّ سكان هذه الدواوير على ضرورة وضع طائرات مروحية رهن إشارتهم من أجل إنجاد الحالات المرضية الأكثر خطورة في أسرع وقت ممكن والقطع مع وفيات النساء أثناء الوضع.



دواوير معزولة بأزيلال تطالب بشق الطرق وبمروحيات لإسعاف الحالات الخطيرة



تُحمَل المرأة الحامل على متن دابة وغالبا ما توضع في النعش المخصص لنقل أموات

  «تافراوت» و«إميضر» و«زركان» و«تناتامين».. أربعة دواوير «انقطعت» عن العالم منذ الأيام الأولى من شهر نونبر الأخير. اعتاد السكان هذه العزلة، التي تُدخِلهم سنويا في ما يشبه «السّبات الشتوي»، بل ويستعدون لها مع إطلالة فصل الخريف. الأطفال لم يلجوا المدارس منذ سبع سنوات.. والنساء الحوامل مُهدَّدات بالموت أثناء الوضع إذا استعسرت ولادتهن. ومع ذلك، ما يزال شق طريق يتصدر مَطالب هذه الدواوير، متبوعا بوضع طائرة مروحية رهن إشارتهم لإسعاف الحالات المرضية الأكثر خطورة

  ما تزال مناطق عديدة في إقليم أزيلال منكوبة ومنقطعة عن العالم منذ أوائل الشهر المنصرم. القرى التابعة لزاوية أحنصال هي الأكثر تضررا من الثلوج والأمطار. استفادت مناطق جبلية أخرى، ضمنها «أيت عباس»، على سبيل المثال، من بنية تحتية طرقية فكّت عنها العزلة وقلّصت تأثير التساقطات الثلجية والمطرية على حياة سكانها.

  يبعد المركز القروي «زاوية أحنصال» عن مدينة أزيلال بنحو 76 كيلومترا. الطريق الرابطة بينهما ضيّقة للغاية وتتأثر بشكل كبير بأقل معدلات التساقطات المطرية. ولهذه الأسباب، يتناقص بشكل جليّ عدد عربات النقل المزدوج التي تؤمّن النقل إلى «زاوية أحنصال» انطلاقا من أزيلال في فصلي الخريف والشتاء. لا تُسلَك هذه الطريق في مثل هذه الأجواء إلا لظرف طارئ.

  يزداد السائقون حذرا حين تحمل نشرات أحوال الطقس أنباء عن إمكانية هطول الأمطار بغزارة أو تساقط الثلوج بكثافة. حينها، يحجم جميع السائقين عن سلك هذه الطريق، حتى لا تحاصرهم الثلوج وتتقطّع بهم السبل في منطقة لا توجد فيها تغطية من شبكات الهاتف المحمول.

  تزامن وصول «المساء» إلى أزيلال في الظهيرة مع بلوغ مستويات الحذر من سلك هذه الطريق ذروته. أكد عدد من الفاعلين الجمعويين المحليين في أزيلال، سبق لكثير منهم أن زاروا المناطق المنكوبة في أيام اعتدال أحوال الطقس، استحالة الوصول إلى أقرب دوار محاصَر في «زاوية أحنصال».

  فبعد قطع مسافة 76 كيلومترا، الفاصلة بين أزيلال والمركز القروي «زاوية أحنصال»، سيكون لزاما انتظار اعتدال أحوال الطقس وأيام عديدة من الشمس قبل أن تذوب الثلوج تدريجيا وتنفكّ العزلة عن أقرب دوار إلى «زاوية أحنصال» ويصبح ممكنا التوجه إليه على متن الدوابّ، في رحلة قد تستغرق عدة ساعات، في ظل سوء أحوال الطقس وتَضرُّر المسالك الجبلية من الأمطار والثلوج.

  قد يستمر السير على الأقدام في أوقات الشدة لأزيدَ من 12 ساعة من أجل جلب المواد الأساسية، كالسكر والزيت من المركزين القرويين «زاوية أحنصال» و«أيت محمد». نصف يوم من المشي في طريق شديدة الضيق غاية في الخطورة في فصلي الخريف والشتاء.. عبارة عن ممرّ في جبل «تيزي نملغاس» يبقى الشريان الوحيد لدواوير «زاوية أحنصال»، الأربعة. في نهاية الأسبوع الماضي، كان المرور عبْر هذه الطريق مستحيلا، «ضربا من الجنون»، على حد قول سائق عربة نقل مزدوج اعتاد تأمين النقل بين أزيلال و«زاوية أحنصال» حينما يكون المناخ معتدلا.

  تأكدت استحالة التنقل إلى زاوية أحنصال: السائقون المعتادون على تأمين التنقل إلى هذا المركز القروي لا يُبْدون حماسا للتوجُّه إلى هناك في ظل استمرار هطول الأمطار وتوقعات باستمرار تساقط الثلوج.

  في تلك الأثناء، راج في مدينة أزيلال أن السلطات المحلية عمدت إلى استعمال الطائرات من أجل مد سكان القرى «المحاصَرة» بمواد أساسية للصمود أمام البرد القارس لمواجهة الجوع. أنباء تأكدت معها استحالة الوصول إلى قرى «السبات الشتوي» في إقليم أزيلال. «كيف يمكن إقناع سائق سيارة بالتوجه إلى منطقة تتهدّدها الثلوج والأمطار؟» يتساءل فاعل جمعوي محلي في مدينة أزيلال.

  أصبح أشخاص من القرى المحاصَرة في قمم الجبال المجاورة شبه «لاجئين» في مدينة أزيلال، إذ لن يستطيعوا التوجه إلى ديارهم قبل ذوبان جزء كبير من الثلوج وعودة الروح إلى الطريق الرابطة بين أزيلال و«زاوية أحنصال».

  غير أن هذه المحاولات ستبوء، بدورها، بالفشل. بعد ذلك، تم العمل على ربط الاتصال هاتفيا بفاعلين مدنيين ينشطون في الجماعة القروية «زاوية أحنصال» في إطار جمعية تحمل اسم «خديجة». غير أن هواتف جميع الناشطين الذين تمت محاولة ربط الاتصال بهم على أمل التمكُّن من بلوغ القرى المحاصَرة كانت جميعها، بدون استثناء، خارج التغطية.. «أمر عادي في منطقة تندُر فيها الشبكات الهاتفية»، يقول الفاعل المدني في أزيلال، هشام أحرار، وهو أحد الذين سبق لهم أن زاروا عددا من تلك الدواوير أكثر من مرة في الفترات التي ينحبس فيها المطر ويتوقف تساقط الثلوج. وبذلك، ساد يقين باستحالة الوصول إلى تلك الدواوير، لأنها، بكل بساطة، «محاصرة»، ولا يمكن دخولها أو مغادرتها.

  ومع ذلك، يُجْمع الفاعلون المدنيون المحليون في أزيلال، الذين التقت بهم «المساء» في هذه المدينة، على أن عددا من مناطق الإقليم كانت تعرف الوضعية ذاتها، وإنْ بشكل أقلَّ خطورة، وباتت اليوم تتوفر على بنية تحتية تجعلها في منأى عن العزلة القاتلة التي تدخل فيها الدواوير التابعة للجماعة القروية «زاوية أحنصال».

  وأكد المتحدثون أنفسُهم أن ظروف عيش بعض قرى هذه الجماعة، خصوصا القريبة من مركز الزاوية، عرفت تحسُّناً ملحوظا في السنوات الأخيرة. لكن جميع القرى تتساوى في محنة «العزلة» عن العالم الخارجي، التي تفرضها عليهم الثلوج وغياب بنية تحتية طرقية يمكنها أن تصمد في وجه الأمطار والثلوج وتسخّر لها إمكانيات لإعادة فتحها في وجه حركة المرور في أقرب الآجال الممكنة بعيد تساقط الثلوج.

  نقص حاد في المؤونة

 «يستعد» سكان الدواوير المهددة ب«الحصار» من الثلوج والأمطار في أعالي جبال إقليم أزيلال لموسم العزلة هذا دائما. تعمل كل أسرة على جمع كميات وافرة من المواد الأساسية، خصوصا الغذائية، حسب الإمكانيات المتاحة لها، غير أن أي تمديد لأيام العزلة يُشكّل تهديدا لحياة هؤلاء السكان.

  إذا طالت مدة العزلة، ينفد مخزون الأسر من المواد الغذائية لتنضاف، بذلك، معاناة الجوع إلى محنة الحصار والانقطاع عن العالم. قبل وصول «المساء» إلى أزيلال بنحو أربعة أيام، قامت السلطات المحلية بإقامة جسر إنساني لتزويد أزيدَ من 2500 أسرة المحاصَرة في قمم الجبال الأطلسية بالمواد الأساسية. كانت تلك أولى عمليات «الإغاثة» والمد بالمواد الأساسية في السنة الجارية. وقد تمت الاستعانة في هذه العملية بطائرات مروحية تولّت إلقاء كميات كبيرة من المواد الأساسية في الدواوير المحاصَرة. وعادة ما يتولى أعيان كل دوار توزيع هذه الإعانات على الأسر المُستهدَفة.

  ثمة عامل آخر يزيد حياة السكان في هذه المناطق صعوبة: الأسر هناك لا تقطن في منازل مُشيَّدة وإنما تتخذ من الكهوف منازلا. أسر كثيرة تعتبر العيش في الكهوف أكثر أمنا من الحياة في منازل قد لا تصمد أمام كثافة التساقطات الثلجية خريفا وشتاء والأمطار الرعدية الطوفانية في مستهل فص الصيف. كما أن هذه الكهوف توفر لهؤلاء السكان حماية أكثر فعالية من البرد القارس بالمقارنة مع البيوت المشيدة من طين وحجر.

  حرمان من المدرسة

 الأطفال الصغار والنساء الحوامل هما الفئتان الأكثر تضررا من هذه العزلة القاتلة في قمم جبال الأطلس الكبير. أطفال دوار «تافراوت»، أحد أكثر الدواوير عزلة في المنطقة، لم يلجوا المدرسة منذ خمس سنوات، على الأقل، تماما مثل نظرائهم في الدواوير الثلاثة المجاورة: «إمضر» و«زركان» و«تناتامين».

 الموسم الدراسي الحالي هو السابع على التوالي الذي لم تفتح فيه المدارس الفرعية المنتشرة في المنطقة أبوابَها. «من يمكن أن يصبر على العيش في مثل هذه الظروف؟!».. بهذا السؤال «أجاب» فاعل مدني مهتمّ بالشأن التعليمي في إقليم أزيلال عن سؤال آخر بخصوص الأسباب الثاوية وراء عدم فتح هذه المدارس في وجه أطفال المنطقة المتمدرِسين طيلة ست سنوات متتالية، وقد بات في حكم المؤكد أن هذه المدة ستصير سبع سنوات.



  كانت سنة 2005 آخر عهد لأطفال المنطقة بالأقسام الدراسية. في تلك السنة، أوشكت أقسام الفرعيات المدرسية متوزعة على الدواوير الأربعة أن تهوي فوق رؤوس التلاميذ.. كانت تلك السنة، أيضا، آخر مرة تطأ فيها أقدام إطار تربويّ أرض المنطقة.

  بعد مرور أربع سنوات على إغلاق أبواب تلك الفرعيات في وجوه التلاميذ، تلقّت الدواوير الأربعة وعدا بترميم الأقسام الآيلة للانهيار، ثم ما لبث أن ارتفع سقف الوعود وبشّر أطفال هذه الدواوير بقرب بناء مدرسة جماعاتية في إطار مشروع مندمج خاص بتنمية المنطقة. وكان هذا المشروع، الذي رُصِد له غلاف ماليّ يقدر بنحو ملياري سنتيم، يتضمن، أيضا، «تشييد» مستوصف وسوق أسبوعية ومستودع للمواد الأساسية، خاصة الغذائية، مع تقريب المرافق الإدارية من أهالي المنطقة وتبسيط مساطر استخراج الوثائق الإدارية.

  الفاعل المدني نفسه، الذي التمس عدم ذكر اسمه، لأسباب مهنية، قال إن هناك ثمة أسبابا أخرى عدا عدم قدرة الأطر البشرية على تحمل قسوة مناخ المنطقة وقبول العيش في عزلة تامة بدون مؤونة كافية طيلة شهور عديدة. وتتمثل هذه الأسباب في سيادة الأمية وغياب الوعي بأهمية تعليم الأطفال، علاوة على حاجة الأسر الماسة إلى أطفالهم للمساعدة في الأنشطة الفلاحية، وفي مقدمتها الرعوية.

  وكانت تقارير رسمية قد أثارت الانتباه إلى إقدام عدد من الأطر التربوية التي تم تعيينُها في المنطقة على رفض الالتحاق بالمؤسسات التعليمية في الدواوير الأربعة المذكورة، التي توجد في علو يفوق 2800 متر عن سطح البحر.. وسجلت محاضر مواظبة الأطر التربوية في نيابة أزيلال حالات عددية رفض فيها معلمون الالتحاق بالمدارس التي عُيِّنوا فيها ويبررون رفضهم ببُعد هذه المدارس وغياب أبسط ظروف العيش هناك.

  يتطلب الوصول إلى الدواوير الأربعة، حسب إطار تعليمي يشتغل حاليا في مدينة أزيلال سبق له أن تم تعيينه في تلك المدارس في بداية الألفية الثالثة، القيام برحلة شاقة انطلاقا من أزيلال في اتجاه المركز القروي، «زاوية أحنصال». يصل إجماليُّ المسافة الواجب قطعها إلى حوالي 120 كيلومترا، 76 كيلومترا منها فقط يمكن قطعها على متن شاحنة أو عربة للنقل المزدوج، عادة ما تستغرق الرحلة على متن وسيلة النقل إلى هذا المركز القروي ساعتين تقريبا، وقد تزيد أو تنقص حسب حالة الطقس ووضعية الطريق والحالة الميكانيكية لوسيلة النقل المُستعمَلة.

 تنتهي مسيرة وسائل النقل الحديثة عند «زاوية أحنصال، قبالة مقر الجماعة القروية التي تحمل الاسم ذاتَه. حينها لا غنى عن سلك مسالك وعرة رسمتها الدواب. يستغرق هذا الجزء من الرحلة أزيد من 8 ساعات، في أحسن الأحوال، وقد تستغرق أطول من هذا الوقت بكثير، إذا كان المسافر وافدا جديدا على المنطقة وغير ذي خبرة بمسالكها، الوعرة.


  لا تتوقف معاناة الأطفال عند «استحالة الولوج إلى المدارس» للموسم الدراسي السادس على التوالي، بل تمتد لتشمل انتشار أمراض فتّاكة في صفوفهم، أهمّها الحصبة، المعروفة في الأوساط الشعبية المغربية ب»بوحْمرون». ذلك أن نسبة يسيرة من هؤلاء الأطفال استفادوا، في صغرهم، من التلقيح ضد أمراض الأطفال، التي أُقِرّت برامج تلقيحية ضدها، مثل الحصبة والسعال الديكي.

  حالة الطوارئ..

  يطال النساءَ، أيضا، قسطٌ وافرٌ من المعاناة. يقُمْن بكل شيء، من أشغال البيت إلى أنشطة الرعي. تزوج معظمهن في سن مبكرة عبر «الزواج بالفاتحة»، الشائع بكثرة في هذه المناطق الجبلية. وتبلغ معاناتهن ذروتها أثناء الحمل، خصوصا إذا جاء المخاض إحداهن في فصلي الخريف والشتاء، اللذين تكون فيهما المنطقة «معزولة» عن العالم الخارجي.

  تضع أغلبية النساء الحوامل مواليدهن تحت إشراف نساء حوّلتهن الظروف إلى «قابلات»، ومنهن من صِرْن ذوات خبرة كبيرة في ميدان الإشراف على توليد النساء الحوامل. غير أن هؤلاء النسوة كثيرا ما يرمين المنشفة ويرفعن أيديهن عن حالات نساء عسيرات الولادة. حينها، تتحول الأجواء في هذه القرى النائية إلى ما يشبه «حالة طوارئ».

 إذا كان الطقس معتدلا، تُحمَل المرأة الحامل على متن دابة، وغالبا ما توضع في النعش المخصص لنقل أموات القبيلة حتى تقطع المسافة الفاصلة بين الدوار ومركز «زاوية أحنصال» ب«أقل الآلام الممكنة». وأكد الفاعل المدني هشام أحرار معاينته أكثرَ من حالة ولادة عسيرة من هذا النوع، تم خلالها نقل المرأة الحامل إلى المركز القروي حيث ظلت تنتظر ساعات، قبل أن تصل سيارة الإسعاف.



  أما إذا صادفت الولادةَ انقطاعُ الاتصال بين هذه القرى والعالم الخارجي، فإن الثقل كله يلقى على كاهل «مقدم» الدوار أو شيخ القبيلة. ففي هذه الحالة، يتوجب على هذا الأخير الصعود إلى أعلى جبل حيث توجد تغطية شبكة الهاتف المحمول ليجري اتصالا بقائد القيادة ويرسل إشعارَ «استنجاد»، طالبا التعجيل بإرسال مروحية لنقل المرأة قبل أن تلفظ أنفاسها الأخيرة، خصوصا أن أي وفيات تؤدي إلى احتقان الأوضاع في هذه الدواوير. يقوم بالعملية ذاتها أعوان السلطة في هذه الدواوير لإشعار السلطة المحلية بنفاد المواد التموينية لدى الأسر. وغالبا ما يكون الرد بإرسال مساعدات طبية تُلقيها طائرات مروحية من أجواء الدواوير التي تفتقر إلى المواد الأساسية، خصوصا الغذائية منها.

 غير أن الفاعلين الجمعويين الذين التقت بهم «المساء» أكدوا أن إنجاز هذه الطريق تعترضه عراقيل عديدة، الشيء الذي أخّر تحقق حلم هذه الدواوير في التوفر على طريق توقف معاناتهم في «ما وراء الجبال» وينهي عهد «انقطاعهم» الاضطراري عن العالم الخارجي بمجرد تسجيل أولى التساقطات الثلجية. وفي انتظار الطريق، يُلحّ سكان هذه الدواوير على ضرورة وضع طائرات مروحية رهن إشارتهم من أجل إنجاد الحالات المرضية الأكثر خطورة في أسرع وقت ممكن والقطع مع وفيات النساء أثناء الوضع.


محمد بوهريد

 المساء

أيت عبدي : قبائل تستغيث وسط حصار الثلوج


أرشيف أزيلال تاريخ لا يجف
أيت عبدي : قبائل تستغيث وسط حصار الثلوج

 تتعرض منطقة أيت عبدي كل موسم وكل عام  لموجة برد و تساقطات ثلجية كثيفة تؤدي إلى سد كل المنافذ و الطرق المؤدية إلى الأسواق المجاورة غربا إلى زاوية أحنصال و شرقا إلى أيت حديدو و شمالا إلى أنركي ، حيث يتجاوز سمك الثلوج المتر في بعض الأماكن و المترين في أماكن أخرى،  مما يجعل تنقل الساكنة لمسافات طويلة غير ممكن كما يستحيل استعمال الدواب لنقل المواد الغذائية من الأسواق المجاورة مما يؤدي إلى نفاد المؤونة للساكنة بالرغم من تلقيها مساعدات في عملية الإغاثة الأخيرة بطائرات الهليكوبتر، هذا إضافة إلى ارتفاع صبيب بعض الأودية التي تقطع سطح المنطقة كَواد  ماسْتو الذي يمنع من وصول ساكنة  تناتامين إلى تافراوت  الطريق المُعتاد إلى زاوية أحنصال.

 عودة الثلوج في أقل من أسبوع إلى أيت عبدي أدى إلى نفاد المؤونة للساكنة بالرغم من تلقيها مساعدات في عملية الإغاثة الأخيرة بطائرات الهليكوبتر، مصادر من تناتامين أكدت للتجديد أن المواد التي رمتها طائرات الهليكوبتر مؤخرا على المنطقة ضاعت و تبعثرت كميات المواد الغذائية و اختلطت بالأتربة بعد أن انفجرت قوارير الزيت و الحليب و أكياس الدقيق.. و أكدت كذلك أنها انتظرت بشوق كبير هبوط الهليكوبتر في موضع أعده سكان منطقة  تناتامين، لكن لم تتحقق آمالهم . الساكنة التي حضرت في موعد تقديم مواد الإغاثة كانت تلوح بأثواب بيضاء كرسالة لربان الطائرة إلا أنها عادت أدراجها و تركتهم يجمعون فتات الأكياس و حبات الفول الممزوجة بالتراب.. و تعد  تناتامين الاستثناء في عملية الإغاثة الأخيرة بالطائرات إذ لم تحط الحوامات هناك على العكس في مناطق أخرى في تافراوت وإميضر التي تسلمت ساكنتها المساعدات مباشرة .. وقد خلفت الظروف المناخية القاسية بأيت عبدي على مر السنين العديد من الضحايا، ففي الثمانينات من القرن الماضي مات المدعو سعيد أوحساين  بسبب البرد الشديد، كما قضى حدو الكبير الذي حاصرته الثلوج و ترك أربع أيتام و أرملة، و في بداية التسعينات مات خربوش موحى أوحدو و من الضحايا الجدد للثلوج في أيت عبدي  السليدي علي أوحدو في 2006 ومزيان بن مزيان في 2009 و اللائحة طويلة ..
 ففي مثل هذه الظروف تدفع الحاجة و نفاذ المؤونة عددا من رجال القبيلة إلى التطوع و المغامرة في قطع عشرات الكيلومترات بحثا عن أقرب مركز لجلب الدقيق و السكر ..

 بعضهم يعود و آخرون يتيهون و يُفقدون وسط أكوام الثلوج ، الشيخ سعيد حكى للجريدة قصة و مأساة بعض المواطنين مع الثلوج ، حيث أكد أن عشرين سنتمترا من الثلج تكفي لإخفاء كل المعالم التي تظهر المسالك المعتادة لدى الساكنة مما يجعل الوصول حينها إلى أي مكان من و إلى ايت عبدي أمرا صعبا ، كما روى للتجديد حكاية الرايات الحمراء  التي تضعها الساكنة على الطريق الطويل لتدل المارة و ترشدهم أثناء رحلتهم لتساعدهم على الوصول إلى المناطق التي يرغبون الذهاب إليها. بعض الناجين يقول الشيخ سعيد  تعرضوا لإعاقات، بعد أن قطعت أصابعهم من شدة برودة الثلج..

 المواشي بأيت عبدي ليست أحسن حالا من الساكنة حيث قطع عدد من مربي الماشية عدة كيلومترات للوصول إلى موضع الريزو  بقمة ماسكو  ليوصلوا نداءهم للتجديد ، مؤكدين أن مواد العلف نفذت أيضا بعد أن استمرت التساقطات الثلجية مدة طويلة يستحيل معها ممارسة نشاط الرعي في المرتفعات مما يهدد مواشيهم بالنفوق ، و أنهم ينتظرون مساعدات غذائية و علفية لتفادي تكرار ما وقع في السنة الماضية حيث فقدت عشرات رؤوس الأغنام و الماعز من جراء البرودة و ندرة الكلأ .

 التجديد 22 فبرير 2010
 لحسن أكرام